تكشف الحقائق التاريخية والجغرافية أن ليبيا لم تكن وحدتها يوماً معطىً صلباً، حيث أديرت قديماً كوحدات إدارية ثلاث هي طرابلس وبرقة وفزان، قبل أن توحدها إيطاليا اسمياً في 1934. هذا التباين، الذي تكرس مع نشأة الدولة المستقلة في 1951 وتأرجحها بين أنظمة فيدرالية ومركزية، لا يزال يلقي بظلاله على الواقع المعاصر، إذ تظل الدولة اليوم منقسمة جغرافياً ومؤسسياً وسط غياب للانتخابات الموعودة وتنازع للسلطات. بحسب صحيفة الشرق الأوسط، فإن البلاد لم تشهد استقراراً مؤسسياً حقيقياً، وتضاعف الانقسام بعد هجوم قوات الشرق على طرابلس عام 2019، وما تلاه من نشوء حكومتين متوازيتين تضعفان قيمة الثروة النفطية.
تكمن خطورة هذا الوضع، وفقاً للمحلل السياسي فيصل أبوالرايقة، في أن الهشاشة المؤسسية والضعف السياسي يفتحان الباب واسعاً للقوى الدولية والإقليمية للتدخل في الشأن الليبي. ويحذر أبوالرايقة من أن هذا الاستقرار الأمني الظاهري، المقترن بضعف القرار الوطني، قد يحول ليبيا إلى ساحة لتوازن المصالح الخارجية، حيث تتقلص قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قراراتها المالية والسياسية بشكل مستقل، مما يهدد السيادة الوطنية على المدى الطويل.
من جانبه، يدعو امحمد شعيب عبر بوابة الوسط إلى ضرورة إجراء وقفة نقدية فاحصة لتاريخ الدولة الوطنية منذ استقلالها في 1951، مشيراً إلى أن التحديات الكبرى التي واجهتها البلاد منذ البداية، كالجغرافيا الواسعة وغياب المؤسسات، لا تزال حاضرة. ويشدد على أن المهمة المركزية التي ينبغي الانشغال بها هي بناء الوحدة الوطنية الحقيقية بدلاً من مجرد الاكتفاء بالهياكل الإدارية، مؤكداً أن تجاوز ثقل الخيبات يتطلب إقراراً صريحاً بالأزمة الراهنة والعمل على صياغة عقد اجتماعي ينهي حالة الافتراض السياسي التي تعيشها البلاد.
